غزة-شدد رئيس جمعية المجلس العلمي للدعوة السلفية بفلسطين، على أن وظيفة ولي الأمر تنحصر في أمرين؛ «فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا، وإنما هو راعٍ، والرعيّة أمانةٌ في عنقه، ومسؤوليةٌ بين يدي الله.
جاء ذلك خلال خطبة الجمعة والتي بعنوان:" اللهم ارزقنا قائدًا يرحمنا" قائلاً إن وظيفة ولي الأمر تنحصر في أمرين؛ «فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا»، ليس القائد في الإسلام؛ صاحبَ سلطةٍ يتسلَّط بها على الناس، ولا صاحبَ منصبٍ يستمتع به، ولا متبوعًا يبحث عن المجدِ لنفسه؛ وإنما هو راعٍ، والرعيّة أمانةٌ في عنقه، ومسؤوليةٌ بين يدي الله.
وأضاف:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،»، فيا من وُلِّي أمرًا من أمور المسلمين: تذكَّر أنَّك ستقف يومًا بين يدي الله، لا بين يدي جنودك، ولا وزرائك، ولا أعوانك، ولا حاشيتك؛ هناك يوم لا تنفع فيه القوة، ولا تحميك فيه الحصون، ولا تنفعك فيه المناصب، ولا يشفعُ لك فيه كثرةُ الأتباع".
وأكد الشيخ أبو سعيد،"أنَّ من أعظم الأمانات التي ابتُلي بها الإنسان: أمانة الولاية والقيادة والمسؤولية عن الناس، وهناك يوم لا تنفع فيه القوة، ولا تحميك فيه الحصون، ولا تنفعك فيه المناصب، ولا يشفعُ لك فيه كثرةُ الأتباع".
وأردف:"هناك تُسأل عن الأرملة: ماذا فعلتَ لها، وعن اليتيم: أين كنتَ منه، وعن الجائع: لماذا جاع، وعن الخائف: لماذا خاف، وعن المظلوم: لماذا تُرك مظلومًا، وعن الدم الذي أُريق: لماذا أُريق، وعن الجنديّ الذي أُرسل إلى الموت: لماذا أُرسل؟ هناك لا يُسأل القائد: كم مدينةً فتحت فقط؟، بل يُسأل: كم نفسًا من المسلمين حفظت".
وشدد على أن يكون أعظمَ إنجازٍ أنْ لا تقول: انتصرنا، وإنما أنْ تقولَ: حفظنا عبادَ الله؛ إنَّ الأصلَ في قيادة المسلمين أن تكون قيادةً رحيمة، مشفقةً، حافظةً للدين والنفس، والعقل والعرض والمال.
وبين الشيخ أبو سعيد، (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ))، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: (لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا)، أي: لا تخافوا، لا تخافوا؛ يا الله، القائد هو الذي يسبق قومَه إلى الخطر، لا الذي يسبقهم إلى الأمان، فالقائد هو الذي إذا خاف الناس تقدّم، وإذا جاع الناس شعر بجوعهم، وإذا نزلت بهم المصيبةُ كان أوَّلَ من يحمل همَّها، ويجد حلَّها.
وقال الشيخ أبو سعيد:"هكذا فهمُ الصحابةِ معنى الولاية، لـمّا تولّى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة، أصبح غاديًا إلى السوق، وقد كان قبلَ الخلافة يحلبُ لأهل الحيِّ أغنامَهم. فقالت جارية: الآن لا يُحلب لنا! فقال أبو بكر رضي الله عنه: (بَلَى لأَحْلِبَنَّهَا لَكُمْ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَلّا يُغَيِّرَنِي مَا دَخَلْتُ فِيهِ عَنْ خُلُقٍ كُنْتُ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَحْلِبُ لَهُمْ)".
وأوضح أنه إذا تغيّرَ المنصب، ولم تتغيَّر الرحمة، وإذا تغيّرَت المسؤولية، لم يتغير التواضع، وإذا ارتفع مقامُه في أعينِ الناس، لم يرتفعْ على الضعفاء، وهكذا يكون القائد الحقيقي: كلّما ارتفع قدْرُه عند الناس؛ ازداد تواضعًا لهم، وكلّما اتسعت سلطته؛ اتسع قلبه لرعيته؛ وكلّما عظمت مسؤوليته، خاف من الله أكثر وزادت خشيته.
وأكد الشيخ أبو سعيد،"أن مدرسة القيادة؛ لا تتمثل في القائد الذي يأكل أفضل الطعام بينما شعبه جائع، فهذا يحتاج أنْ يتعلَّم من عمر، والقائد الذي يسكن أفخم المساكن بينما الفقراء لا يجدون قوتَ يومهم، يحتاج أن يتعلم من عمر، والقائد الذي يرى دماء الناس أرقامًا في تقارير المعارك، يحتاج أن يتعلمَ من عمر".
وبين من تعظيم عمر رضي الله عنه لحرمة دم المسلم أنه لم يكن يرى فتحَ المدنِ والغنائمَ والانتصاراتِ مبررًا للتفريط في حياة مسلم؛ سأل الفاروق عمر أنسًا رضي الله عنهم عن كيفية حِصار مدينة من مدن الأعداء؟ فلما ذُكر له أن رجلًا قد يُرسل إلى المدينة فيُحمّى ويتدرّع بجلودٍ ضِدَّ السهام، قال له: فإن رُمي بحجر؟! قال: إذًا يُقتل! فقال عمر رضي الله عنه قولا يحمل معنىً عظيمًا: (فَلَا تَفْعَلُوا؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا يَسُرُّنِي أَنْ تَفْتَحُوا مَدِينَةً فِيهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ؛ بِتَضْيِيعِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ).
وشدد الشيخ أبو سعيد أن مدينة كاملة لا تساوي عند عمر دم مسلم يُضيَّع بغير حقٍّ! متسائلاً أين هذا الفقه اليوم؟ أين هذا الشعور بحرمة الإنسان؟ أين القائد الذي يقول: أريد النصر، ولكن ليس على حساب أرواح الناس؟ أين من يفكر قبل أن يصدر الأمر: كم أمًّا ستبكي؟ كم طفلًا سيُيتم؟ كم بيتًا سيُهدم؟ كم إنسانًا سيُصاب؟ وهل كان يمكن أن نحقِّق المقصودَ بوسيلةٍ أقلَّ خطرًا وأقلَّ دمًا.
وقال: "إنَّ الشجاعة ليست أن ترسل الناس إلى الموت! الشجاعة أن تعرف متى تُقدِم، ومتى تتوقّف، ومتى تحفظ الأرواح، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله في شروط من يتولى أمر الحرب: أن يكون ثقة في دينه، شجاعًا، حسن الأناة، عاقلًا للحرب، بصيرًا بها، غير عجِل ولا نزق، وألا يحمل المسلمين على مهلكة".
وأعتبر الشيخ أبو سعيد: "ليس كل شجاع يصلح أن يكون قائدًا، وليس كل مقدام صالحًا للقيادة. قد يكون الرجل شجاعًا، ولكنه متهور, وقد يكون قويًا، ولكنه لا يرحم, وقد يكون صاحب قرار، ولكنه لا يعرف عاقبة قراره. وقد يكون محبًا للنصر، ولكنه لا يحسب ثمن النصر من دماء الناس، ولهذا كان عمر رضي الله عنه لا يولِّي بعض الرجال على الجيوش، مع شجاعتهم وفضلهم، إذا خشي أن تَحْمِلَهم شجاعتُهم على التهور وإهلاك من معهم".
وأوضح أن المسألة ليست: من أشجع؟ بل: من أعقل؟ من أرحم؟ من أتقى؟ من أبصرُ بالعواقب، مشدداً على إننا بحاجة إلى قائدًا يرحمنا، وإذا تولى أمرنا خافك فينا ورحمنا، وأن يرى الناس أمانة؛ لا غنيمة، ويرى الضعيف إنسانًا له حقٌّ، لا عبئًا زائدًا، وإذا أصدر أمرًا تذكَّر أنه سيقف به بين يديك، وأن يكون قيادةً تجمع بين القوة والأمانة، والحزم والرحمة، والشجاعة والحكمة، والهيبة والعدل، مشيراً إلى أن الولايةُ عندهم؛ همٌّ قبلَ أن تكون مجدًا، وتكليفٌ قبل أن تكون تشريفًا، وحسابٌ ومحاسبةٌ قبل أن تكون مكسبًا.
وأكد"أن أعظمِ الدروسِ التي ينبغي أنْ نتعلَّمَها: أنَّ الأمَّة لا تحتاج إلى قائدٍ يحبُّه الناسُ؛ لأنه قويٌّ فقط، وإنما تحتاج إلى قائدٍ؛ يأمنُ الناسُ في ظلِّه، لا يكفي أن تكونَ للقائد قوةٌ في يده؛ بل لا بد أن تكونَ رحمةٌ في قلبه، ولا يكفي أن تكون له عينٌ ترى العدوَّ؛ بل لا بد أن تكونَ له عينٌ ترى اليتيمَ والأرملةَ والجريحََ والجائع، ولا يكفي أن يعرفَ كيف ينتصرُ في المعركة؛ بل يجب أن يعرفَ كيف يحفظَ الإنسانَ بعد المعركة، مشددًا على أن أعظمَ ما تملكه الأمَّةُ ليس الحديد، ولا الحجر، ولا المال، ولا الأرض وحدها؛ وإنما أعظمُ ما تملكه: الإنسان، وإذا ضاعت حياةُ الإنسان، وضاع أمنُه، وضاع عِرضُه، وضاع عقلُه، وضاع مالُه، فما قيمة العمران إذا فُقِد الإنسان".
وأشار الشيخ أبو سعيد:" إلى إننا حين نقول: اللهم ارزقنا قائدًا يرحمنا، فإننا لا نعني قائدًا ضعيفًا، ولا حاكمًا متردِّدًا، ولا مسؤولًا عاجزًا، بل نريد قائدًا: قويًّا في الحقّ، رحيمًا بالخلق، شديدًا على الظلم، ليِّنًا مع المظلوم، شجاعًا عند الخطر، عاقلًا عند القرار، أمينًا على المال، حريصًا على الدماء، حافظًا للدين، صائنًا للأعراض، مشفقًا على الضعفاء، لا يغرُّه التصفيق، ولا يخدعه المديح ولا الزعيق، ولا يستكبرُ عن سماع النصيحة".
وقال: "نريد قيادةً إذا تكلمت صدقت، وإذا وعدت أوفت، وإذا حكمت عدلت، وإذا قدرت رحمت، وإذا غضبت لم تظلم، وإذا أخطأت رجعت؛ اللهم ارزقنا قائدًا يرحمنا، ولكن الرحمة ليست مسؤولية القائد وحده فكلّ واحدٍ منَّا قائدٌ في موقعه، الأب قائدٌ في بيته، والأم راعيةٌ في بيتها، والمعلم قائدٌ في طلابه، وإمام الصلاة راعٍ في مسجده، وصاحبُ العمل مسؤول عن عُماله، ومن تولى أمرًا من أمور الناس فهو مسؤول عنهم".
وأضاف: "فلا نطالب الآخرين بالرحمة؛ ونحن نظلم من تحت أيدينا، ولا نطالب الحاكم بالعدل؛ ونحن نظلم أبناءنا، ولا نطلب من المسؤول أن يحفظ حقوق الناس؛ ونحن نأكل حقوق من حولنا، فابدأ بنفسك، وارحم من تحت يدك، يرحمْك من فوقك، اعدل في أهلك، واعدل في أولادك، واعدل في عملك، واعدل في خصومتك. فإن المجتمع الذي يريد قائدًا رحيمًا يجب أن يكون مجتمعًا رحيمًا".


